محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي
136
الآداب الشرعية والمنح المرعية
أكثر البلاء ، إذا رأى هذه الدار المزخرفة بأنواع الزخاريف ، المعدة لجميع التصاريف واصطباغا وأشربة وأدوية ، وأقواتا وإداما وفاكهة ، إلى غير ذلك من العقاقير ، ثم إرخاء السحاب بالغيوث في زمن الحاجات ثم تطييب الأمزجة وإحياء النبات ، وخلق هذه الأبنية على أحسن اتقان ، وتسخير الرياح والنسيم المعد للأنفاس ، إلى غير ذلك من النعم ، ثم نعمة العقل والذهن ثم سائر الآيات الدالة على الصانع ، ثم إنزال الكتب التي تحث على الطاعات وتردع عن المخالفة ، ثم اللطف بالمكلف ، وإباحة الشرك مع الإكراه ، وأمر بالجمعة فضايقوه في ساعة السعي بنفس ما نهى عنه من البيع في أنواع العبادات ، وعظموا كل ما هونه وارتكبوا كل ما هونه حتى استخفوا بحرمة كتابه فأنا استقل لهم كل محنة . وقال أيضا : لا تتم الرجلة في العبد حتى يكون في مقام اختلال أحواله ، وإشباط أخلاطه وأفراحه ، وتسلط أعدائه ، ثابتا بثبوت المتلقي والمتوقي ، فيتلقى النعم بالشكر لا بالبطر ، متماسكا عن تحرك لرعن ، وعند المصائب مستسلما ناظرا إلى المبتلي بعين الكمال ، وعند اشتطاط الغضب متلقيا بالحكم ، وعند الشهوات مستحضرا للوعد والوعيد ، فسبحان من كمن جواهر الرجال في هذه الأجساد ، ثم أظهرها بابتلائه ليعطي عليها جزيل ثوابه ، ويجعلها حجة على بقية عباده . وقال زنوا أنفسكم : من المباديء ماء وطين ، وفي الثواني ماء مهين ، وفي الوسط عبيد محاويج ، لو حبس عنكم نسيم الهواء لأصبحتم جيفا ، ولو مكنت منكم البقوق عن السباع لأكلتكم ، كونوا متعرفين لا عارفين . وقال لنا : عندك ذخائر وودائع بالله لا تضعها في الترسهات ، ودموع ودماء ونفوس ، بالله لا تجري الدموع إلا على ما فات ويفوت ، ولا ترق الدماء ، إلا في مكافحة الأعداء ، وإعلاء كلمتنا ، وأنفاس من نفائس الذخائر ، فبحقنا لا تتنفس الصعداء إلا في الشوق إلينا ، والتأسف علينا ، كم نخلع عليك خلعة نفيسة تبذلها في الأقذار ، وتخلقها في خدمة الأغيار ، اشتغلت بالصور ، شغل الأطفال باللعب ، فاتتك أوقات لا تتلافى - إلى أن قال - فإن كسرنا عليك لعبة مثل أن نسلبك ولدا منخناه ، أخذت تضيع الدموع وتخرق الجيوب ، وا أسفا على أوقات فاتت ، أما رأيت المتداركين هذا يقول : هلكت وأهلكت ، وهذا يقول : زنيت فطهرني ، زاهدا في مصاحبة نفس خائنة فيما عاهدت ، وصاحب الشرع يقيم لها التأويل ويقول : " لعلك قبلت " وذاك مصر على التشفي من النفس المخالفة للحق ، أتراه سلط هذه البلاوي إلا ليظهر هذه الجواهر في الصبر عليه والغيرة ؟ ترى لو دام الخليل والذبيح في كتم العزم ، كان وجد لأخذ قدم - إلى أن قال - فصار الولد كالشاة المعدة للذبح ، أخجل والله هذا الجوهر الذي أظهره الامتحان ملائكة الرحمن . قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ [ سورة البقرة : الآية 30 ] .